الغزي

15

نهر الذهب في تاريخ حلب

قال الواقدي ما ملخصه : بعد أن صالح أهل قنسرين أبا عبيدة وخالدا على مال معيّن ودخلا قنسرين واختطّا بها مسجدا ، بلغ ذلك أهل حلب فخافوا ، وكان رئيسا عليهم « يوقنا » و « يوحنا » أخوان يسكنان القلعة ، وكان أبوهما قبلهما يملك حلب إلى الفرات . وكان هرقل ملك الروم يهابه لشجاعته ودهائه وقد انتزعه من رومية خوفا منه فجاء إلى العواصم واستخلص قلعة حلب لنفسه وحصّنها وسكنها . وكان ولده الصغير منزويا عن الرئاسة إلى الترهب ، ولما بلغه خبر قدوم أبي عبيدة أشار على أخيه بالصلح فأبى إلا الحرب وسار بجيوشه الجرارة التي منها 12 ألف فارس إلى كفاح أبي عبيدة قبل أن يصل إلى حلب . وكان أبو عبيدة بقنّسرين غير عالم بالحال قد جهز كعب بن ضمرة ومعه ألف فارس وسيّره إلى حلب لفتحها . فسار كعب حتى إذا صار على نحو ستة أميال من حلب دهمه يوقنا واشتعلت الحرب بينهما . وكان أبو عبيدة مشغولا مع مشايخ أهل حلب ورؤسائهم قدموا عليه إلى قنسرين يطلبون منه الصلح والأمان بعد أن سار يوقنا لقتاله وسلكوا إلى قنّسرين غير الطريق الذي سلكه يوقنا . ولما صالحهم أبو عبيدة وأمّنهم رجعوا إلى حلب . وقبل أن يصلوها فشا خبر صلحهم حتى بلغ يوقنا وهو يحارب كعبا ، وكعب في غاية القلق الضجر ، وقد تلف من عسكره زهاء مائتي رجل من أعيان الصحابة . فلما سمع يوقنا خبر الصلح اضطرب جيشه وارتد على عقبه . ثم إن أبا عبيدة لما أبطأ عليه خبر كعب نهض بعسكره يريد حلب وعلى المقدمة خالد ابن الوليد . فما كان غير قليل حتى أشرف على كعب وعلم بما دهمه ثم ساروا جميعا إلى حلب فرأوا يوقنا وجنوده قد أحدقوا بأهل البلد يريدون قتلهم وهم يقولون : ويلكم صالحتم العرب ونصرتموهم علينا . ثم أدخل يوقنا عبيده على أهل البلد وجعلوا يقتلونهم على فرشهم وأبواب منازلهم . فنظر يوحنا من القلعة إلى البلد ورأى القتل في أهله فعارض أخاه يوقنا فلم يفعل ، فأغلظ له الكلام فغضب عليه وقتله . وكانت رايات المسلمين قد أشرفت عليهم ولما سمع خالد ضجيج أهل البلد وبكاءهم قال لأبي عبيدة : هلك أهل ذمتك . وحمل على جماعة يوقنا فلم ينج منهم سوى من لجأ إلى القلعة . ودخل المسلمون حلب من باب أنطاكية وحفّوا حولهم بالتراس داخل الباب وبنوا ذلك المكان مسجدا .